محمد بن عبد المنعم الحميري ( ابن عبد المنعم )

35

الروض المعطار في خبر الأقطار

ووصف له حسنها وفوائدها وفضلها وهوّن عليه حال رجالها ، فعاقده موسى على الانحراف إلى المسلمين وسامه مكاشفة أهل ملّته من أهل الأندلس ، ففعل يليان ذلك وحلّ بساحل الجزيرة الخضراء فقتل وسبى وغنم وأقام بها أيّاما يشن الغارات ، وشاع الخبر عند المسلمين ، فآنسوا بيليان ، وذلك عقب سنة تسعين . وكتب موسى إلى الوليد يعلمه بما دعاه إليه يليان ويستأذنه في افتتاح الأندلس ، فكتب إليه الوليد أن خضها بالسرايا حتى تختبر شأنها ولا تغرّر بالمسلمين في بحر شديد الأهوال ، فراجعه انه ليس ببحر وإنما هو خليج يتبين للناظر ما وراءه ، فكتب إليه : وإن كان فلا بدّ من اختباره بالسرايا ؛ فبعث موسى عند ذلك رجلا من مواليه من البربر اسمه طريف بن مالك المعافري يكنى أبا زرعة ، في أربعمائة رجل يغير بهم ، ونزل في الجزيرة المنسوبة إليه ثم أغار على الجزيرة الخضراء ونواحيها ، فأصاب شيئا لم ير موسى وأصحابه مثله حسنا وأصاب مالا جسيما وأمتعة ، وذلك في شهر رمضان من سنة إحدى وتسعين . فلما رأى ذلك الناس تسرعوا إلى الدخول ، فدعا موسى مولى له كان على مقدماته يسمى طارق ابن زياد ، قيل هو فارسي وقيل هو من الصدف وقيل ليس بمولى وقيل هو بربري من نفزة ، فعقد له وبعثه في سبعة آلاف من البربر « 1 » والموالي ليس فيهم عربي إلا القليل ، فهيأ له يليان المراكب وحلّ بجبل طارق يوم سبت في شعبان من سنة اثنتين وتسعين وهو من شهور العجم شهر أغشت ، وقيل في رجب من السنة ، في اثني عشر ألفا غير ستة عشر رجلا لم يكن فيهم من العرب إلا قليل « 2 » . وأصاب طارق عجوزا من أهل الجزيرة قالت : إنه كان لي زوج عالم بالحدثان وكان يحدّث عن أمير يدخل بلدنا هذا ويصفه ضخم الهامة وأنت كذلك ، ومنها أن بكتفه الأيسر شامة عليها شعر فإن كانت بك هذه الشامة فأنت هو ، فكشف طارق ثوبه فإذا بالشامة على كتفه كما ذكرت العجوز ، فاستبشر بذلك هو ومن معه . وذكر عن طارق انه كان نائما في المركب فرأى في منامه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والخلفاء الأربعة يمشون على الماء حتى مروا به فبشّره النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بالفتح وأمره بالرفق بالمسلمين والوفاء بالعهد ، وفي حكاية أنه لما ركب البحر غلبته عينه فرأى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وحوله المهاجرون والأنصار قد تقلدوا السيوف وتنكبوا القسيّ فيقول له النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « يا طارق تقدم لشأنك » ، ونظر إليه وإلى أصحابه قد دخلوا الأندلس قدامه ، فهبّ من نومه مستبشرا وبشّر أصحابه ولم يشك في الظفر ، فنزل بالجبل شأنّا للغارات في البسائط ولذريق يومئذ غائب في غزاة له واتصل به الخبر فعظم عليه أمره وفهم الخبر الذي منه أتي مع يليان ، وأقبل مبادرا في جموعه حتى احتل بقرطبة أياما والجنود تتوافى عليه ، وكان لحينه ولى ششبوت بن الملك غيطشة ميمنته وأخاه ميسرته وهما موتوران قد سلبهما ملك أبيهما ، فبعثا إلى طارق يسألانه الأمان إذا مالا إليه عند اللقاء بمن معهما وعلى أن يسلم اليهما ضياع والدهما غيطشة إن ظفر ، فأجابهما طارق إلى ذلك ، وعاقدهما عليه فلما التقى الجمعان انحاز هذان الغلامان إلى طارق فكان ذلك سبب الفتح ، وكان الطاغية لذريق في ستمائة ألف فارس . وقد خرجت عن حكم الاختصار الذي التزمت في هذا الوضع فلنقتصر على هذا القدر ، وأما ذكر بلاد الأندلس فتأتي في مواضعها اللائقة بها إن شاء اللّه تعالى . وافتتحت الأندلس في أيام الوليد بن عبد الملك فكان فتحها من أعظم الفتوح الذاهبة بالصيت في ظهور الملة الحنيفية ، وكان عمر بن عبد العزيز معتنيا بها متهمما بشأنها وهو الذي قطعها عن نظر والي إفريقية وجرد لها عاملا من قبله . ايذج « 3 » : مدينة من عمل خوزستان بينها وبين العسكر في جهة المشرق أربع مراحل ، وهي مدينة عجيبة فرجة البقعة بسيطة المكان متاخمة للجبل المتصل بأصبهان وبها متاجر وصنائع وأموال وأسواق نافقة بما جلب إليها . انكال « 4 » : قرية انكال بأرض المغرب بقرب وادي أم ربيع ويقال لها دار المرابطين وبها عين ماء ، وهي حسنة في موضعها كثيرة الزرع والمواشي والإبل والبقر والغنم ، وبها فحص طويل قد انحشرت إليه طيور النعام فهي في أكنافه سارحة وهي آلاف لا تحد وأهل تلك النواحي يصيدونها طردا بالخيل فيأخذون منها جملا كثيرة صغارا وكبارا ، وأمّا بيضها الموجود في الفحص فلا يحاط به كثرة ومنه يحمل إلى كثير من البلاد ؛ وطعامها وخيم يفسد المعدة

--> ( 1 ) في الأصل : الأوس . ( 2 ) كذا بتكرار واختلاف ، فقد ذكر قبل قليل أن عددهم كان سبعة آلاف . ( 3 ) في ص ع : أندخ ، أندح ؛ ووضعها في باب الهمزة والنون يعدّوهما من المؤلف ، وانظر ايذج في ياقوت . ( 4 ) الإدريسي ( د / ب ) 71 / 47 ، وفيهما : آنقال - بالمد والقاف - .